رؤية واقعية للتكامل الثقافي العربي

Saturday, January 22 2005 @ 12:07 AM zzz

الكاتب: AlGarya

مرّت في عام 1995 مناسبتان عزيزتان وهامتان في الحياة العربية المعاصرة، الأولى مرور خمسين عاماً على تأسيس جامعة الدول العربية (1945) والثانية مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس واحدة من منظماتها الكبرى أعني المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) (1970). وخلال نصف قرن مضى شهد العالم، ومنه الوطن العربي، تطورات هائلة، ولا سيما عقده الأخير الذي صارت فيه هذه التطورات الهائلة إلى متغيرات متسارعة وعنيفة بما تواضع عليه التعامل الدولي والعربي برمته، وكأننا في عالم غير العالم الذي ألفناه وعرفناه، أو كأن التاريخ ينتهي ليبدأ معه عصر جديد في تلك النغمة التي باتت رتيبة أيضاً، وهي «نهاية التاريخ» بحقها وباطلها فما يزال التاريخ بإجماله قومياً. ولم يكن العرب بمعزل عن هذه المتغيرات، بل إنهم يشاركون في صنعها أو تسريع صنعها من خلال حرب الخليج الثانية على وجه الخصوص (1990-1991) حين أضحت المغامرة نهجاً في التفكير والممارسة، وحين أصبح التاريخ في حالة «عماء».‏

مرّت في عام 1995 مناسبتان عزيزتان وهامتان في الحياة العربية المعاصرة، الأولى مرور خمسين عاماً على تأسيس جامعة الدول العربية (1945) والثانية مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس واحدة من منظماتها الكبرى أعني المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) (1970). وخلال نصف قرن مضى شهد العالم، ومنه الوطن العربي، تطورات هائلة، ولا سيما عقده الأخير الذي صارت فيه هذه التطورات الهائلة إلى متغيرات متسارعة وعنيفة بما تواضع عليه التعامل الدولي والعربي برمته، وكأننا في عالم غير العالم الذي ألفناه وعرفناه، أو كأن التاريخ ينتهي ليبدأ معه عصر جديد في تلك النغمة التي باتت رتيبة أيضاً، وهي «نهاية التاريخ» بحقها وباطلها فما يزال التاريخ بإجماله قومياً. ولم يكن العرب بمعزل عن هذه المتغيرات، بل إنهم يشاركون في صنعها أو تسريع صنعها من خلال حرب الخليج الثانية على وجه الخصوص (1990-1991) حين أضحت المغامرة نهجاً في التفكير والممارسة، وحين أصبح التاريخ في حالة «عماء».‏

وحين تبدلت المفاهيم ومسمياتها بشيوع أنماط التغطية على العرب والمسلمين في دهاليز الاتصالات الجبارة والمعلوماتية الرقمية وسواها كما هو الحال في ممارسة إرهاب الدولة وتفتيت العدالة في سياسة الكيل بمكيالين والعبث بحق التدخل المباشر والسافر واستخدام ذرائع العنف والهيمنة والطغيان في مسوح التماهي الجائر والظالم مع الشرعية الدولية متمثلة بالأمم المتحدة وغيرها مما تقوم به الولايات المتحدة التي باتت ذراع القوة المغامرة المجنونة دون وازع أخلاقي أو سند تاريخي أو دواعٍ راهنة، وكأن مصائر الأمم والشعوب لعبة تطوح بها الأهواء والمصالح لفئة متحكمة بالعالم، وقد برزت خلال العقد الأخير التحديات الكثيرة الكبرى التي ما تزال ماثلة وضاغطة على العرب، وجلها عائد إلى تأزمهم الذاتي الذي يصير إلى فرقة وضعف لا مثيل لهما، ولعل مقارنة بسيطة بين مثالين تكشف عن جوهر معضلة حال العرب المعاصرين الذاهبين في فرقتهم وضعفهم والتخلي عن أسباب قوتهم والمضي بعيداً في هدر إمكانيتهم العظيمة، والمثال الأول هو لبوس الإرهاب للعرب الفلسطينيين وغير الفلسطينيين والدفاع الباطل عن الكيانية الإرهابية الإسرائيلية وتسليحها بالقوة في وجه العرب المستضعفين، والمثال الثاني هو التهديد المستمر بضرب العراق* وما يتلوه من تحكمية إرهاب الدولة العظمى المستقطبة المتماهية مع الشرعية الدولية بدعوى باطلة هي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما تملكها الكيانية الإسرائيلية، ولا تفعل الولايات المتحدة إزاءها شيئاً سوى دعمها المتواصل لها، أما المقارنة الأخرى في المثال الثاني فتبدى في موقف الولايات المتحدة المختلف كلياً الذي يمضي في سبيله للرضوخ لمطالب كوريا الشمالية إزاء الحال إياها من دعوى امتلاك الأسلحة إياها (كانون الأول 2002).‏

ولا يخفى أن حال العرب المعاصرين من صنع أيديهم في غياب مطلق للوظيفية السياسية التي تصون مصالحهم، وتحفظ وجودهم، وتضمن فعاليتهم في هذا العالم المتصارع ضدهم علانية وجهاراً من أجل دوام نهب ثرواتهم واستثماراتهم وتبديد عناصر قوتهم التي لا يختلف اثنان في حقيقتها وتأثيرها المتصاعد على الرغم من الشجن العربي في أكثر من اتجاه، وقد بات جلياً أن سند أي نظام هو مكونه الثقافي في محتواه القيمي من جهة وفي ذرائعيته الراهنة والمستقبلية من جهة أخرى، مما يجعل من التحديات الضاغطة رهينة القطيعة الثقافية مع الذات القومية في جذورها التاريخية والفكرية العميقة في اللغة والإسلام والتراث والوعي بالتاريخ، والأخطر هو إغفال الوظيفية السياسية بتجاهل الحاجة إلى الثقافة العربية التي آلت إلى بؤس حال العرب على مشارف القرن الحادي والعشرين.‏

ويتألف هذا البحث من قسمين، أعالج في القسم الأول مكانة الثقافة في العمل العربي المشترك وتكامله، واستشرف في القسم الثاني مستقبل التكامل الثقافي العربي، وقد عمدت إلى استطلاع جمهرة عريضة من المفكرين والمثقفين العرب على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم ممن يفترقون عن الأيديولوجيا إلى وظيفية الثقافة العربية.‏

أولاً: مكانة الثقافة في العمل العربي المشترك وتكامله:‏

واليوم، مع تفاقم تحديات نهاية القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين، غدت الحاجة ملحة لنظام عربي جديد يستند إلى آليات مختلفة للعمل العربي المشترك، وفي أساس ذلك العمل الثقافي العربي المشترك. وثمة اتفاق يكاد يكون غالباً ومشتركاً بين مختلف التيارات الفكرية القومية واليسارية والإسلامية المعتدلة على هذه الحاجة، على أن الثقافة العربية سبيل رئيس لتدعيم النظام العربي أو النظام العربي الجديد، وتتبدّى هذه الحاجة فيما يلي:‏

1-الثقافة العربية سند للوجود العربي؛ لأنها كانت على مرّ التاريخ واحدة وموحدة، ولم تنفع محاولات التقليل من هذه الحقيقة شيئاً، ولا يماري أحد في أن الثقافة هي محرك التاريخ، وأن المعرفة سلطة بحد ذاتها، وأن السلطان الذي يمارسه العارفون هو الأقوى من كل حكومة كالسلطان الاجتماعي والديني… الخ. وعلى الرغم من خيانة مثقفين لأدوارهم التاريخية واندراجهم في سياق المثقف التقني والتزاماته المريبة، فإن تاريخية الثقافة العربية وتجذرها في الوجدان الجمعي راهنة ومؤثرة تنادي دوراً متنامياً وإيجابياً للمثقف العربي في حياة أمته.‏

2-الثقافة بذاتها مشروع سياسي طويل الأمد؛ بالنظر إلى طابعها التنويري الاستشرافي والتغييري أو كما سماه فيصل دراج عنصر الطوبى أو المثال أو اليوتوبيا في منظور ثقافي جديد، وقد لعبت الثقافة العربية هذا الدور القيادي السياسي والاجتماعي في عملية النهوض القومي منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى يومنا(1). وتصبح هذه الملاحظة جوهرية كلما كان الواقع أكثر حلكة وقتامة، وكلما كانت الظروف غير طبيعية، وكلما كانت الهوية مهددة أي أن التعلق بوظيفة الثقافة الطوباوية المثالية يغدو أكثر راهنية ودفعاً تحت وطأة الاستعمار، وإلى مثل هذا الحلم يشخص «معذبو الأرض» بتعبير فرانز فانون. عندئذ، تكون الثقافة بخصائصها الأصيلة معادلاً للذات، ويتحدث المثقفون العرب في فلسطين المحتلة باستمرار عن استحالة «فصل الثقافي عن السياسي، في ظل الاحتلال»؛ وهم يعولون على استراتيجية للعمل الثقافي وظيفية واقعية تندغم بالسياسي وتجيب على الاحتياجات في وجودها المادي والمعنوي، لأنه لا سبيل لعمل ثقافي دون استراتيجية تندغم بعمل سياسي قابل للتحقق، بالتعاضد مع الاتجاهات الأخرى، مثل تأسيس لجنة مركزية للتخطيط، والتخطيط على أساس وجود احتلال طويل الأمد، واعتماد المشاركة الجماهيرية الواسعة، وتوجيه العمل الثقافي للأطفال والناشئة والفتيان، والتوسع في العمل الثقافي في مخيمات اللاجئين والقرى والمدن الصغيرة، ومراعاة التمايز الاجتماعي والفروق البيئية الأخرى. إن الاعتراف بصعوبة فصل السياسي عن الثقافي في أكثر حالاته تحدياً في الأرض العربية المحتلة هو الذي يساعد على خلق الوجود المادي لممارسة النشاط الثقافي وتهيئة الأطر الكفؤة وتوفير وسائل الإنتاج الثقافي وإعادة إنتاج(2).‏

3- الثقافة سبيل لمواجهة الانهيار ورأب الصدع: فالعمل العربي المشترك يستند إزاء «مخاطر الإمحاء والاندماج في صيغ أخرى تفرض على الأمة العربية»(3)، إلى وحدة ثقافية لا شك في عمقها ورسوخها وشمولها وقوتها، كما أن التطور الثقافي، بفضل الثقافة والاتصال، من شأنه أن يوثق عرى الاتحاد أو التضامن العربي. ولعلنا، نعود إلى التوكيد مع المفكر القومي عبد الله عبد الدايم إلى أن «علاج آفات التضامن العربي والعلم على السير نحو الالتحام واتحاد أشد وأقوى لا يكون إلا بالمزيد من هذا التضام، وبتجويد العمل الوحدي وإحكامه عن طريق الجهود الصادقة المستندة إلى تحليل موضوعي يهدي إلى أمثل صيغ من صيغ التعاون والاتحاد، ويرسم بالتدريج من خلال التجربة والواقع خطوات وحدوية مستقبلية متقدمة. ولا خيار للأمة العربية في ذلك. فإما عزم على التعاون والالتحام التدريجي المتعاظم، وإما غياب وإمحاء في خارطة شرق أوسطية وثيقة الصلة بالأخطبوط العالمي المتحكم»(4).‏

4- الثقافة مشروع تنموي قومي شامل؛ وغني عن القول إن الثقافة هي التي ترشد التنمية لتكون التنمية قرينة النهضة ورديفتها بعقلنتها وعمليتها ووعيها للتاريخ. إن عروبة الفكر لكي تمضي في مسار استيعابها للواقع وللعصر تحتاج إلى إرادة المعرفة قبل إرادة العقيدة، وتثمّر تحت وطأة الوعي بالهوية الجمعية والخصوصيات الثقافية «إمكانات جديدة نخرج معها مخرجاً أكثر غنى وأكثر معرفة وأكثر قوة وحضوراً سواء في علاقتنا بذواتنا أو بالغير والعالم»(5).‏

5- الثقافة تصون الإمكانية العربية المهدورة بالتكامل والتضامن: وإذا كان ثمة من ينفر من شعار الوحدة العربية، فإن رصيد التفكير الوحدوي ما يزال متجذراً وكبيراً وعميقاً بمحتواه الثقافي أولاً، وبقابليته في الممارسة لتكامل الإمكانية العربية أرضاً وبشراً وموارد و تطلعاً، وهو ما أثبتته التجارب الوحدوية على عمرها القصير، وعلى إخفاقها، ولاسيما تجربة الوحدة السورية المصرية عام 1958. غير أننا ندعو اليوم إلى الحد الأدنى من التكامل العربي والتوحيد القومي الذي يضمن إسهام الأمة العربية في بناء حضارة الإنسان، وفي تطوير مجتمعها المدني، وفي حماية نظامها العربي بخيار ديمقراطي، من الهيمنة والاستعمار والاستعلاء والنهب والحصار. ولا يكون ذلك إلا بعمل عربي مشترك قوامه وعي ثقافي ومعرفي يبصر بالمخاطر المحدقة بالأمة، وبالدرجة الأولى هدر إمكانياتها العظيمة!.‏

6- إن الثقافة شرط الحوار لتمكين المشروع القومي من أرضه ومن انتشاره، ولتخليصه من تعارضاته وأقول: تعارضات وليس تناقضات(6) لأنها قابلة للحل في أمد قصير أو بعيد (تعارض القومي ـ القطري، أو تعارض العروبة والدين، أو تعارض القومية والأقليات، أو تعارض الدولة والسلطانيات «باتريموينالية»، أو تعارض الواقع والمتغيرات بنمطها الداخلي/ العراق، أو بنمطها الخارجي/ التدخل والهيمنة… الخ، أو تعارض المثل والواقع) فالقومية فكرة متجذرة هي مثال وتطلع، وهي أساس المشروع القومي ومنطلقه ومحتواه، ولم يفلح مناهضو الفكرة، على تردي الواقع اوانقسامه وتجزئته وتخلفه، بالنيل من المشروع القومي وجدارته في إبراز الحقوق العربية والدفاع عن المصالح العربية وصون الإمكانية العربية. وقد أظهرت التجربة التاريخية العربية الحديثة خلال نصف قرن مضى أن المشروع القومي بدلالته التوحيدية الثقافية معيار للهزيمة أو النصر، فالهزائم العربية المتوالية في الداخل و الخارج تكون بمقدار التخلي عن المشروع القومي. وإن الالتفاف حول المشروع بتناقضه مع المشروع الصهيوني، ضمانة لمواجهة المخاطر الراهنة (التي تولدها التعارضات السابقة) وغيرها والمخاطر القادمة، ومنها التسوية، ومن شأن العمل العربي المشترك (وفي المقدمة تفعيل جامعة الدول العربية ومؤسساتها) أن يحشد الإمكانية العربية في مواجهة المخططات التي ترسم للأمة، ومما يبدو شاخصاً للعيان النظام الشرق أوسطي(7). وإن خفتت دعوته جهاراً، فما يجري في الخفاء أو غير المعلن لهو أدهى وأمرّ. إن الخيار الديمقراطي شرط العمل العربي للخروج من محنته، والثقافة شرط الحوار ورافعته؛ وقد ظهرت خلال السنوات التي تلت حرب الخليج الثانية أفكار كثيرة تؤيد المسلمة التي أصابها الاهتزاز: النظام العربي أو النظام العربي الجديد، وتجد سندها وسبيلها الدائم واللاحق في التلاقي العربي أو التضامن العربي أو التوحيد العربي بدرجات متفاوتة. ولا يبتعد عن هذه الأفكار المثقفون الخليجيون العروبيون الذي روّعتهم حرب الخليج الثانية؛ فهذا هو المفكر القومي محمد الرميحي، على نقده القاسي للعروبة السياسية وتشاؤمه من مصيرها في الاهتمام الشعبي إذ قد تصبح الدول العربية كدول كثيرة في مناطق عديدة من العالم، تتماثل في اللغة والدين والعرق، وتختفي منها «الروح القومية» والإحساس بالمصير الواحد، وهما اللحمة التي جمعت الدول العربية فإنه لا يرى أفقاً للخروج من المحنة إلا بالعمل المشترك «لذلك سيبقى عبء تنظيم البيت العربي على عاتق العرب»(8).‏

7- الثقافة سبيل لنقد الفكر القومي للخروج من أزمته؛ فقد شاع في ظل الحرب الباردة خطر تحويل الثقافة إلى أيديولوجيا مما حول الثقافة العربية والفكر العربي إلى ساحات صراع مشتعلة إلى وقت قريب أدى في أحيان كثيرة إلى تأثيم الذات القومية أو تجريمها، وما يزال للثقافة دور كبير في الإجابة على أسئلة مستعصية أمام التقدم العربي ونذكر منها على سبيل المثال الحاجة إلى نقد التبعية ونقد استشراق ونقد نقل التكنولوجيا واستهلاكها فحسب دون الإسهام في إبداعها أو صنعها، ففي نقد التبعية ما تزال عمليات مواجهة الحفاظ على الهوية الثقافية إزاء التغريب والغزو والاختراق والتهافت الأجنبي ضعيفة في الثقافة العربية. إن ثمة «إقراراً بالغزو الثقافي الأمريكي خاصة، الذي يطوف أرجاء العالم مدعماً بانفجار ثورتي المعلومات والتقانة» عبر وسائل الاتصال وهيمنتها الطاغية على تكوين العقول وتشكيل وعي الناس في هذا العصر، مما يستدعي مواجهة داخلية وخارجية الأولى في أنماط التفكير ومناهج التعليم والخطاب الإعلامي والسياسي، والثانية في تدعيم أساليب الإعلام وأجهزته المختلفة وهذا كله مما نلاحظ مدخله ثقافي أيضاً، تسريعاً «للاندماج في سياسة السماء المفتوحة، واللحاق بثورة تكنولوجيا الاتصال الحديثة والتعامل مع الثقافات الأخرى، لكن بشروط أهمها إعادة بعث الثقافة العربية وتقوية الهوية الثقافية، في مناخ قومي عال للنهوض، وداخل إطار فكري وعقلي واجتماعي واقتصادي وسياسي عام يساعد على الاجتهاد الفكري، ويطلق حرية الحوار والبحث، واللحاق بثورة الديمقراطية المعاصرة بإقرار الحقوق والحريات الديمقراطية للمواطن، وإضفاء الطابع المستنير على المؤسسات الدستورية والسياسية والمهنية والإعلامية بشكل خاص، و تخليصها من القبضة البيروقراطية الحاكمة والمتحكمة، والبدء فوراً بتقوية الإنتاج الوطني والقومي العربي بشكل يساعده على التنافس أولاً مع الإنتاج الوطني الوافد بدلاً من الاستسلام لاحتكاره، والدخول في اتفاقات للتنسيق العربي الإقليمي والدولي، والاستعانة، دون خجل، بالخبرات الدولية الفتية المتقدمة لتطوير وتقوية هياكل الاتصال والإعلام، وإعادة النظر بشكل جذري في المنظومة الثلاثية للإعلام والثقافة والتعليم»(9). إن إدغام الثقافة والإعلام مسؤولية الأمن العربي، وهو يستحق الجهد والاهتمام والبذل، يتطلب مواجهة تهافت السياسات الإعلامية العربية والفقر والهزال للمواد الإعلامية المقدمة للاستهلاك دون أن ترضي حاجات المستهلك، مثلما يتطلب مواجهة التراجع المتزايد في قدرة المؤسسات الثقافية التحتية على ممارسة دورها الطبيعي في إنتاج الأفكار والرموز و نظام القيم وتحقيق إشباع أدنى للحاجيات الاجتماعية على هذا الصعيد، إيقافاً لآلية تشكيل الذوق والقيم والوعي من مراكز خارجية هي نتاج صناعة كونية على المثال الأمريكي الأوحد الناجح في تعميم نفسه بعولمة ثقافية ـ تقانية لا سابق لها في الخطورة(10). وفي نقد الاستشراق ما يزال هناك خلاف حول الاستشراق وتغطيته للمعرفة بوصفه سلطة معرفية للغرب إزاء الشرق. لقد غدا الاستشراق ظاهرة عالمية مما يحتاج إلى إعمال النقد العربي المتواصل له، وعلى الرغم من انتشار مثل هذا النقد في الثقافة العربية الحديثة فإن جهوداً حثيثة أكثر أصالة لأهمية معرفة الغرب ولا سيما بعض أدواته مثل الاستشراق مطلوبة، ولا يقتصر الأمر في هذا المجال على نشوء علم للاستغراب في مقابل الاستشراق، لأن نقد الاستشراق يكون أجدى من خلال إعمال نقد الذات في فكرها القومي وفي وعيها لنفسها. إننا لا نحتاج إلى أوهام جديدة في هذا المجال، «فلدينا نحن أيضاً في ثقافتنا تصورات نمطية حول الآخر ينبغي أن ننتبه لها ولأثرها في صدامنا مع الحضارات الأخرى»(11). وكان الجهد الأكبر في نقد الاستشراق بوصفه ظاهرة عالمية قد بدأه إدوارد سعيد في كتابه المعروف «الاستشراق» (1978) ثم نمّاه في كتابه «تغطية الإسلام» (1981)، وطوّره في كتابه الكبير «الثقافة والإمبريالية» (1993)، ويرى فيه «أنه إذا كان النشاط الاستشراقي جزءاً من مؤسسة أكاديمية لتمثيل الآخر واختزاله بقصد الهيمنة عليه، فإن الإمبراطورية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت ضرورة جوهرية لتحديد قسمات الهوية الغربية كما نعرفها اليوم. والأمر هنا لا يتصل بإدانة أو تسويغ الغرب، لأن الإمبراطورية جعلت الثقافات تتورط بذاتها و تورط سواها، فلم يعد بوسعنا الحديث عن ثقافة نقية أحادية. جميع الثقافات هجينة وتعددية ومتمايزة وغير وحدانية، ولهذا فإن دراسة التجربة التاريخية للإمبراطورية، وبالتالي العلاقة بين الثقافة والإمبريالية، تعني الهندي مثل البريطاني، والجزائري مثل الفرنسي، والغربي مثل الشرقي بصفة إجمالية»(12) (ولعلنا نذكر بمزيد من التنبه إلى الأطروحات الغربية التي توظّف هذه الدعاوى في سياق سياسة الهيمنة كما في كتاب «الامبراطورية» الصادر في الولايات المتحدة عام 2002). هل نحتاج إلى التوكيد على أن المدخل لنقد الاستشراق بوصفه ظاهرة عالمية وسلطة معرفية لهيمنة الآخر ثقافي أيضاً؟ إن المطلوب نفي تأثيم الذات أو تجريمها حين يتجه نقد الآخر إلى نقد الذات، فليس كل نقد للمجتمع العربي استشراقياً أو يقوم على حجج استشراقية(13)، فقد أكد كثيرون أن مراجعة الوعي العربي في ميدان الثقافة لا تتم إلا بنقد الثقافة «ولا يشكل هذا النقد أيضاً إلا لحظة من لحظات النقد الاجتماعي ولا يتحقق إلا به»(14). في الوقت نفسه، بنقد الذات بالدرجة الأولى، ويتصل نقد نقل التكنولوجيا واستهلاكها فحسب دون الإسهام في إبداعها أو صنعها، بالاستقلال أو التنمية المستقلة، وبقضايا التعبير عن الاستقلال أو التنمية المستقلة، وهي شواغل أساسية في حل هذه المعضلة الذاتية، وقد وجد محمد عابد الجابري أن «الاستقلال الثقافي ليس مواجهة الآخر وحسب، بل هو أيضاً مواجهة الأنا، أنانياتها وأوهامها»(15) وفي المحصلة لهذه الملاحظات حول نقد الفكر القومي للخروج من أزمته، ينبغي التخلص من الأوهام، والتوجه إلى وعي العرب لذاتهم القومية، «في حريتهم واستقلالهم وإنتاجهم شروط حياتهم ووجودهم، وتطلعهم إلى مستقبل ممكن وواجب»(16).‏

8- الثقافة طريق التجديد؛ لأن التجديد منطلقه ثقافي، فكان التجديد الثقافي قريناً وشرطاً للتجديد في الحياة العربية. ويعبر رأي خليل هندي عن جوهر الحاجة إلى التجديد الثقافي في العالم العربي، في الفكر العربي الحديث متمثلاً في أن «سبيل تقدم العالم العربي هو سبيل تبني قيم حديثة وأنماط فكر وحكم حديثة»(17)، فكان التحديث شأناً ثقافياً مثلما هو شأن عربي يشمل جوانب الحياة كلها، أو هو شأن ثقافي عربي لتحديث الحياة العربية. ولذلك خاض الفكر العربي الحديث في معركة التحديث طويلاً، بل برهن كثير من المثقفين العرب إمكانية تشكل نظام عربي جديد «بمعالجة المشكلات الأساسية ومنها مشكلات الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وحسم جميع الصراعات الدولية والإقليمية والمحلية بما يحقق أمن المجتمعات البشرية واستقرارها، وبما يحقق العدالة الاجتماعية، ويحفظ الكرامة الإنسانية» (18).‏

9- الثقافة سبيل لابد منه لفهم المتغيرات الدولية الجديدة والتعامل مع القوى الفاعلة في النظام الدولي أو النظام الدولي الجديد؛ فلقد دهمت هذه المتغيرات المثقفين العرب والنخب السياسية والقيادات المختلفة، وما يزال الموقف العربي من النظام الدولي الجديد، الذي يطرح بكثرة في الحياة السياسية والثقافية العربية، قلقاً حائراً في مفهومه، وفي تشخيصه، وفي توصيف امتداداته العربية، وفي تحالفاته الإقليمية والدولية، وفي ديناميات التغيير من داخله ومن خارجه، وفي كيفية التعامل معه. إن المتغيرات الدولية المدهشة التي تسارعت مع انهيار الأنظمة الشمولية ليست بنت العقد الأخير كما يخيل للكثيرين، لأن تفاعلات السلطة مع أشكال الدولة والعنف والحرية أصبحت نتاجاً مباشراً أو غير مباشر لتمظهرات القوة بأشكالها الجديدة الظاهرة للعيان، وتتجاذبها الثروة والمعرفة بالدرجة الأولى، وثمة إقرار بالدور الكبير الذي تلعبه هذه القوى «في تحول السلطة»(19) ولا سيما قوة المعرفة بأشكالها المختلفة من الإعلام إلى المعلومات بصورة أساسية، ولم يكن طريفاً أن يقال عن حرب الخليج الثانية حرباً كبيرة أو عن حرب اليمنين أو اليمن السعيد بشماله وجنوبه حرباً صغيرة، إنها حروب من أجل الثروة، وإن ألبست لبوساً أيديولوجياً ذرائعياً غالباً، ولعل المدخل الأهم لفهم المتغيرات الدولية الجديدة والتعامل مع النظام الدولي الجديد هو المدخل الثقافي المعرفي، لا المدخل الأيديولوجي دفعاً لغلبة الانحيازات القيمية والأيديولوجية المسبقة التي لا تورث إلا النظرة الآنية في تحليل الأحداث والتطورات الدولية، ولا تنجب سوى تحليلات مذهبية غير مستوعبة للعوامل الأساسية المحركة للتغيير ودينامياته(20).‏

ثانياً: تصور مستقبلي للتكامل الثقافي العربي:‏

كانت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم إنجازاً كبيراً من إنجازات جامعة الدول العربية، وقد حققت المنظمة نجاحات كبيرة خلال ربع قرن من الزمن مستندة إلى اتفاق عربي عظيم الأهمية في مسيرة العالم العربي المشترك هو «ميثاق الوحدة الثقافية العربية» (1964) الذي أقرّ وحدة الفكر والثقافة العربيين والوحدة الطبيعية بين أبناء الأمة العربية بدورها الطليعي في مجال الحضارة الإنسانية مما يتجاوز توثيق الصلات وتنسيق الخطط والتعاون إلى التكامل الثقافي عوناً للعمل العربي المشترك والتكامل القومي في المجالات الأخرى، فقد تصدر الميثاق العبارة التالية: «توافق الدول العربية على الميثاق التالي استجابة للشعور بالوحدة الطبيعية بين أبناء الأمة العربية وإيماناً بأن وحدة الفكر والثقافة هي الدعامة الأساسية التي تقوم عليها الوحدة العربية وبأن الحفاظ على التراث الحضاري العربي وانتقاله بين الأجيال المتعاقبة وتجديده على الدوام هو ضمان تماسك الأمة العربية ونهضوها بدورها الطليعي الإبداعي في مجال الحضارة الإنسانية والسلام العالمي المبني على أساس العدل والحرية والمساواة»(21). وهو ما وضحه دستور المنظمة فيما بعد:‏

1- تنسيق الجهود العربية في ميادين التربية والثقافة والعلوم.‏

2- النهوض بالتعليم والثقافة العربية وذلك بالتعاون مع الدول الأعضاء.‏

3- تشجيع البحث العلمي والعمل على إيجاد هيئة من الباحثين في البلاد العربية.‏

4-اقتراح المعاهدات التربوية وجمع الحقائق والمعلومات والبيانات الخاصة بتنفيذ تلك المعاهدات.‏

5- المساعدة على تبادل الخبرات والتجارب والمعلومات التربوية والثقافية والعلمية وتنسيق هذا التبادل.‏

6- المساهمة في الحفاظ على المعرفة وتقدمها ونشرها والمحافظة على التراث العربي وحمايته ونشره، سواء أكان مخطوطات أم تحفاً فنية أم أثرية، وإنشاء المعاهد ذات التخصص الدقيق والمعاهد التي تبث الروح القومية وتشجع التعاون بين الأمة العربية والأمم الأخرى في جميع نواحي النشاط الفكري(22).‏

غير أن هذه النجاحات تتطلب حماية وتطويراً ما دام عمل المنظمة مرهوناً بعمل جامعة الدول العربية، لأن التطلعات المنشودة تظل محدودة بالرؤية الواقعية لمكانة الجامعة في العمل العربي المشترك وللعمل العربي المشترك ذاته، وهما في مفترق طرق. وباعتقادنا فإن العمل الثقافي العربي المشترك تزداد أهميته والأدوار المنتظرة منه في هذا المنعطف التاريخي أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يتفق عليه غالبية المفكرين والمثقفين العرب في تفكيرهم ومواقفهم الواضحة. ولعلي اتفق مع القائلين بأهمية ذلك الاتفاق حول ميثاق الوحدة الثقافية العربية(23) ورأى فيه تجديداً ليس للعمل الثقافي العربي المشترك فحسب، وإنما للعمل العربي المشترك برمته. واستناداً إليه وتجسيداً للاعتراف المستمر بمكانته القومية وبالمنظمة المعبرة عنه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، لابد من مضاعفة الجهد للالتفاف حول أهداف المنظمة وخطتها الشاملة لتنمية الثقافة العربية، وتدعيم أعمالها ومشروعاتها.‏

أما تصوري لمستقبل العمل الثقافي العربي المشترك وتكامله، وهو قابل للتطبيق لسببين الأول هو قيام المنظمة ونجاحها خلال ربع قرن، والثاني هو اندراجه ضمن الرؤية الواقعية التي أشرنا إليها، فأودعه في هذه الاتجاهات:‏

أولاً: ترشيد العمل العربي المشترك بالتبصير والعقلنة: وابتكار صيغ جديدة للمشاركة العربية بما يخدم المصالح العربية، ومن ذلك تثمير إسهام المثقف العربي في تطوير النظام العربي في مواجهة المتغيرات الدولية الحاصلة نحو دوام التفاعل الحيوي لجامعة الدول العربية وبعث الثقة في علاقات أطراف النظام العربي وضبط السلوك القومي. وهذا يتفق مع رأي جمهرة عريضة من المثقفين. إن تطوير النظام العربي من خلال جامعة الدول العربية هو الأقرب للواقع، والأقرب للتحقق، وإذا كان بعض هؤلاء المثقفين يطالب بتغيير بنيوي بمعنى إعطاء الجامعة سلطة ما فوق الوطنية، أي أن تتنازل الدول الأعضاء عن جزء من سيادتها، فإنني مع الرأي القائل بالتغيير السلوكي للدول الأعضاء «بمعنى التحول الاجتماعي عبر استكشاف مجالات للتوافق بين الدول الأعضاء باتجاه التطور السلمي المتكافل. وهذا يعني تعزيزاً للأهداف ذاتها التي جاء بها مفهوم الأمن القومي العربي اساساً باعتبارها حامية كيان الأمة»(24). ومن شأن التغيير السلوكي أن يعيد إلى التبصر بالمخاطر المحدقة والاستجابة لأفضل السبل لمجابهة هذه المخاطر بالربط بين المصالح القومية بما هي منفعة وطنية وبين الأهداف العربية للنظام العربي الجديد.‏

ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الترشيد يتصل بالجهد الثقافي بدرجة كبيرة بين النخب السياسية الحاكمة والفاعلة في النظام العربي.‏

ثانياً: تجديد الحديث حول الخطاب القومي على أن التكامل القومي يعزز القومية في الحد الأدنى؛ فليس بين عدد من الدول العربية علاقات حسن جوار كما هي الحال بين الدول العربية ودول الجوار غير العربية. ومن المفيد أن ندعم البحث في دولة التوحيد القومي من منظورات واقعية، وأهمها الحوار الديمقراطي لضمان مشاركة القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة جميعها والمعنية بالمصير القومي من جهة وتدعيم الوحدة الوطنية والأمن الاجتماعي وقيم المجتمع المدني من جهة أخرى.‏

ثالثاً: إدغام التنمية الشاملة والمستقلة بالعمل العربي المشترك تجنباً لتنمية قطرية قاصرة، وتثميراً لأبعاد التنمية القومية والثقافية وهي ضمانة سيرورة أي تنمية. ويتيح مثل هذا الإدغام أفقاً لسياسات واقعية للتحالفات القومية، لأن العمل القومي موحد بذاته، وهذا مدخل لمواجهة إصلاح النظام العربي بالعناية بمفردات العمل التنموي؛ مما يقلل من تأثير المعضلة القائمة في أن التضامن ينصرف اساساً إلى النظم الحاكمة بتعبير أحمد يوسف أحمد(25).‏

وفي هذا المجال يبدو مفيداً توجيه الاهتمام للمدخل الاقتصادي للوحدة العربية، والاهتمام بالضمانات التي يوفرها التكامل القومي بشمولية التقدم العربي. وغني عن القول إن البعد الثقافي للتنمية يوفر مجالات واسعة لديناميات ذاتية مثلما يمنح قوة في العلاقات العربية ـ العربية التي تتوجه غالباً إلى تحالفات مع دول الجوار أو دول المركز المتروبولي المهيمن، فالثقافة اتصالية بطبيعتها، وتتحرك بفعل عراقتها التقليدية الموغلة في القدم لدى أبنائها. وما لم تسع التنمية في مسعى تأصيل بعدها الثقافي فإنها ستغدو عملية تغريب(26).‏

شجعت الهيئات والمؤسسات التي تعمل من أجل الوحدة العربية عمليات التكامل القومي مثل مركز دراسات الوحدة العربية والاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب... الخ، كما نظمت لقاءات وندوات ومؤتمرات في مجالات متعددة لتأصيل الفكر القومي. وما يزال النظر متجهاً إلى جهد رئيس في هذا المجال يعول عليه كثير من المثقفين العرب هو «العمل على توضيح فكرة الأمة العربية تحديداً في أذهان الأفراد، وتكوين عاطفة قوية من الحب والولاء والاعتزاز حول هذه الفكرة، وإبراز العناصر المشتركة في ثقافة هذه الأمة»(27). وعلى الرغم من رومانسية بعض هذه الأفكار حول الفكرة القومية والعمل الوحدوي العربي، فإن تطوير الممارسة القومية المستندة إلى شعار رفعه المثقفون العرب هو «التنوع في إطار الوحدة» الكفيل باستشراف مسارب أكثر واقعية لتوكيد الفكر القومي في الحياة العربية المعاصرة.‏

وفي هذا يقع عبء كبير على المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم إزاء المثقفين والمؤسسات الثقافية العربية، لأن دور المثقف العربي ما يزال راهناً ويجري التوكيد على استثماره في خدمة العمل الوحدوي العربي على الرغم من شيوع أنماط المثقف التقني ـ النفعي، فهذا مثقف ومفكر عربي هو أنطون مقدسي مؤمن بالثقافة ضميراً حياً للأمة، ومؤمن بأن «العدالة والصدق والعلم و الحقيقة والفن والجمال وبقية المعاني الناظمة للوجود الإنساني غاية بذاتها جديرة بأن تكرس لها، أو لأي منها حياتنا كلها، أياً كان الثمن الذي يطلب منا أن ندفعه. هذه المجانية هي سرّ الوجود الإنساني وروح الثقافة»(28). وهذا مثقف ومفكر عربي هو محمد عابد الجابري يعتقد بدور المثقف العربي في حركة التاريخ انطلاقاً من أن الثقافة هي محرك التاريخ(29).‏

ويعترف غالبية المبدعين العرب بتكوينهم الثقافي القومي وبالثقافة القومية الوظيفية في نسيج إبداعهم، ولعل شهادة الروائي مؤنس الرزاز تكشف عن هذا التفكير الواضح على الرغم من أن قضية المثقف العربي والسياسة شائكة مركبة ومعقدة، فهو مطالب بأن ينهض بأعباء مجتمعه، ولا خيار له في ذلك «وهو واع أنها أعباء لا تكاد كل شرائح المجتمع مجتمعة أن تقوم بمواجهتها إلا بصعوبة»(30).‏

ويطالب عدد من المثقفين العرب المعتبرين في سياق آخر بتشجيع مسؤولية المثقف العربي الناقد في نهاية القرن العشرين بتعبير هشام شرابي الذي وضع مهمات محددة وأولويات لهذه المسؤولية: «تغيير الوعي حول قضية المرأة، وتحقيق الحداثة المستقلة، وصياغة الخطاب النقدي الذي يمكننا من مجابهة الغرب لا الهرب منه، وتحدي السلفية لا محاربتها، ورفع المرأة إلى مستوى الشريك الاجتماعي الكامل في نضالنا لتحرير الرجل والمجتمع في الوطن العربي»(31).‏

خامساً: إيلاء التعريب مكانته في مواجهة التحدي الحضاري العربي الحديث، فالتعريب أبعد من مجرد سيادة اللغة العربية في الخطاب الثقافي والعلمي العربي، وأبعد من تطوير اللغة العربية لمواكبة العصر، لأن اللغة علاقة وجود وعلاقة حياة بأكملها، حياة الأمم والأفراد، وقد غدت التنمية اللغوية أساساً للتنمية الثقافية وضمانة نجاح التنمية الشاملة والمستقلة، وتظهر الدراسات الحديثة لعلاقة الاستعمار بالثقافة أن التبعية تستخدم اللغة بالدرجة الأولى. ولعل نظرة عجلى إلى كتاب نغوجي واثيونغو الأفريقي «تصفية استعمار العقل» (1986) تفضح عن حقيقة طالما أغفلت، وهي أن خلل الدول التابعة مع لغتها سيؤدي إلى ترسيخ علاقات الاستعمار(32). وبالتعريب موصولاً بعمل الجبهة الثقافية، نضمن قاعدة استراتيجية لمواجهة التحدي الحضاري.‏

إن كثيراً من عناصر استراتيجية المواجهة تحتاج إلى حلول قابلة للتنفيذ لمشكلات التعريب على أنها أبعد من مجرد حلول لغوية «كإنجاز ثورة تعليمية تعمل على تكوين شخصية عربية متفتحة وذات مناعة تثق بقدراتها وتعتز بماضيها، وتحاول تطوير حضارتها في أفق مستقبل البقاء فيه للأعظم وكتشجيع الدراسات المستقبلية لاستثمار الآثار المحتملة لتحولات صناعة المعلومات تلافياً لصدمة المستقبل، وتقليصاً لاحتمال الاختيارات الخاطئة...»(33).‏

وعلى أنني أنفر من الإلزام بقضية التعريب، فإن عدداً لا يستهان به يدعو إليه متأسياً من ضعف الالتزام، ويرتفع صوت التحذير من مخاطره عالياً إلى الأخذ بوسائله كالتعريب الإداري وتعريب التعليم وتعريب البيئة مدخلاً إلى علاقة صحيحة وفاعلة للغة العربية والعصر(34).‏

سادساً: الاهتمام اللائق بثقافة الطفل العربي وتنشئته قومياً، وكانت أنجزت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الخطة القومية الشاملة لثقافة الطفل العربي، وقد وجدت فيها غلبة الجوانب الثقافية الوصفية على جوانب التدابير والإجراءات والمشروعات والبرامج، ومن المفيد أن يعاد النظر في البند المتعلق بالأنشطة والخطوات الإجرائية (مجال تطوير التعليم والثقافة، مجال التربية والتوعية الوالدية والأسرية، مجال إعداد الكوادر المختلفة التي تتعامل مع الأطفال، مجال المعلومات اللازمة لثقافة الطفل، مجال الإعلام وإعداد المواد الإعلامية اللازمة لثقافة الطفل ـ الوسائط الثقافية، إيجاد وتأسيس الأجهزة القومية اللازمة لتنفيذ ومتابعة الخطة القومية الشاملة لثقافة الطفل العربي) وذلك بوضعها في أطر واقعية، وألا يغلب عليها صيغة التوصيات التي لا تعرف الجهة المحددة التي تتجه إليها(35).‏

سابعاً: العناية بالبعد الجماهيري والشعبي للثقافة العربية، وللعمل الثقافي العربي المشترك، فما تزال الثقافة العربية رهاناً واقعياً ومستقبلياً لكسب معركة المستقبل العربي في نظر المثقفين العرب، والثقافة العربية بهذا المعنى شديدة الاتصال بالقضايا العربية الأخرى، ولا سيما قضية الاستقلال وقضية التنمية. وما يزال النداء موصولاً لتتحقق جماهيرية الثقافة «بمعنى تحرير الطاقات الإبداعية الجماعية وتكسير القيود المفروضة على التعبيرات الثقافية الشعبية وخلق شروط مثقفين عضويين بتعبير عبد اللطيف اللعبي»(36).‏

وكان النداء أكثر وضوحاً في المؤتمر القومي العربي الثالث، بالربط بين جماهيرية الثقافة العربية وعصرية الحركة القومية العربية، وذلك من خلال السعي إلى تشكيل مجلس قومي أهلي أعلى للبحث والتطوير العلمي تكون مهمته على مستويين، المستوى الرسمي حيث يمكن الضغط على الحكومات العربية للأخذ بالاقتراحات المقدمة والمستوى الشعبي حيث توضع الخطط الكفيلة بتعزيز قاعدة التفكير العلمي لدى أوسع القطاعات الشعبية، ومن جهة أخرى الإسهام بإطلاق حملة أهلية عربية واسعة لمكافحة الأمية الواسعة الانتشار في العديد من الأقطار العربية، ومن جهة ثالثة، التنسيق بين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمؤسسات والجهات والمنظمات الثقافية والإعلامية الملتزمة قومياً، وإن كان ذلك يقوم على نحو جزئي(37).‏

ثامناً: تشجيع الاندماج القومي عن طريق العمل الثقافي العربي المشترك، ويتحقق شيء كبير من ذلك عبر أساليب تقوم بها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أو بتنسيقها مع أطر أخرى، كمواجهة القطرية المستشرية بأعمال قومية تؤدي إلى استثمارات وطنية في الوقت نفسه بوعي فوائد التكامل، والتبصير بمخاطر التحالفات العربية ـ غير العربية أو نفعها القليل الذي لا يعادي ضررها، وكمواجهة وضع الثروة المالية موضع القومية في العمل العربي المشترك كما يلاحظ مثقفون عرب(38)، وكتشجيع البحث في الوعي القومي وفائدته في النظام العربي المنشود... الخ.‏

تاسعاً: تزايد الحاجة إلى التربية الثقافية ليس للأطفال والناشئة فحسب، بل لمختلف أصناف متلقي الثقافة من جمهور عام وجمهور خاص لهذه الفئة أو تلك، ولا يكون ذلك بمعزل عن التنسيق والتكامل بين الأجهزة الثقافية والمؤسسات التربوية ووسائل الاتصال بالجماهير برعاية رشيدة من الحكومات العربية بما ينفع في تعضيد عدة تدابير على المستويين الوطني داخل القطر الواحد والقومي ضمن مجموع الأقطار العربية مثل التنسيق بين سياسات واستراتيجيات تنمية التربية والثقافة وبين سياسات التنمية واستراتيجياتها، وتفعيل دور المؤسسات التربوية والتعليمية في تعزيز الثقافة ولا سيما التوأمة بين المؤسسات التعليمية والثقافية وتدعيم البعد الثقافي والفكري للمناهج الدراسية وفهم التراث الثقافي وتقديره وتعليم التاريخ العام والقومي وزيادة الاهتمام باللغة العربية وتعليم اللغات الحية.. الخ.‏

عاشراً: تضافر عمليات وعي الذات ووعي الآخر، بالنظر إلى التلازم بين الأمرين، لأن وعي الآخر منذ طلائع عصر النهضة العربي في القرن التاسع عشر، كما في إسهامات رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وعلي مبارك ومحمد المويلحي وسواهم، لا ينفصم عن رؤية التأزم الذاتي العربي الموغل في إشكاليات الماضي والحاضر في الوقت نفسه. ولا تختلف هذه الرؤى عن اعتمال المفكرين والمثقفين العرب بشواغل وعي الآخر كما يظهرها كتاب «صورة الآخر: العربي ناظراً ومنظور إليه» (تحرير الطاهر لبيب ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1999).‏

حادي عشر: التنبه لمخاطر الغزو الثقافي، ليس بالانغلاق على الذات القومية، ولكن بالانفتاح على ثقافة العولمة والاندراج فيها والإسهام في صناعتها وإنتاجها بأصالة متسلحين بفهم هذه المخاطر وما تمثله ميادينها المتعددة من الاستقطاب والهيمنة والتبعية والتغريب والتنميط والتغطية والتطبيع والعولمة، وبوعي الجذور التاريخية لهذا الغزو المتصل بتشويه صورة العرب والإسلام منذ ظهور الإسلام إلى الحروب الصليبية التي ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا بأشكال مختلفة حيث تشويه اللغة العربية وتشويه التاريخ الحضاري العربي وتشويه الإسلام قوة حضارية وتشويه العروبة والرابطة القومية وتشويه الثقافة العربية أو الخصائص القومية للثقافة العربية.‏

إن مقاومة مخاطر هذا الغزو مرتهنة بعمل عربي شامل يولي التكامل الثقافي مكانته اللائقة في بناء الإنسان على مختلف الجبهات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، اندماجاً عربياً لسيرورة ذاتية مبدعة ومنتجة.‏

إن الأخذ بهذه الاتجاهات، وباتجاهات أخرى لا مجال للإحاطة بها كلها من شأنه أن ييسر فاعلية العمل الثقافي العربي المشترك وتكامله في مطالع القرن الحادي والعشرين.‏

* قامت أمريكا بحربها العدوانية على العراق. المقالة مكتوبة في 5/ 1/ 2003.‏

(1) دراج، فيصل: «انطفاء السياسة ومأزق المثقف الوطني» في مجلة «النهج» (دمشق) ـ العدد 4، صيف 1995، ص91.‏

(2) البطراوي، محمد: «نحو استراتيجية للعمل الثقافي في فلسطين المحتلة» في كتاب «وحدة الثقافة العربية» ـ منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ـ عمان 1994 (وهو أعمال ندوة عقدت بعمان فيما بين 10 و12 كانون الأول 1993).‏

(3) عبد الدايم، عبد الله: «القومية العربية والنظام العالمي الجديد». دار الآداب، بيروت 1994، ص224.‏

(4) المصدر السابق نفسه، ص225.‏

(5) حرب، علي: «إرادة العقيدة أم إرادة المعرفة» في الكتاب الدوري «قضايا فكرية: الفكر العربي على مشارف القرن الحادي والعشرين»، الكتاب الخامس والسادس عشر، القاهرة 1995.‏

(6) انظر على سبيل المثال:- عدة كتّاب: «مستقبل الجامعة العربية» (حلقة نقاش) في مجلة «المستقبل العربي» (بيروت)، العدد 166، 12/ 1992، ص80-100.‏

(7) درويش، منير: «الوحدة العربية في عصر التسوية» في مجلة «دراسات عربية» (بيروت)، العدد 5-6، السنة 31، آذار، نيسان 1995، ص16.‏

(8) الرميحي، محمد: «بعد اتفاقيات السلام مع إسرائيل: استشراف المستقبل العربي» في مجلة «السياسة الدولية» (القاهرة) العدد 19، يناير 1995، ص85.‏

(9) حافظ، صلاح الدين: «الهوية الثقافية وتكنولوجيا الإعلام» في مجلة «القاهرة» (القاهرة)، العدد 116، يوليو 1992، ص46-55.‏

(10) عدة كتّاب: «الإعلام والأمن الثقافي العربي» (حلقة نقاش) في مجلة «المثقف العربي» (بيروت)، العدد 192، 2/ 1995، ص81-82.‏

(11) صالح، فخري: «الاستغراب في مواجهة الاستشراق» في كتاب «وحدة الثقافة العربية»، السالف الذكر، ص256.‏

(12) سعيد، ادوارد: «تعقيب على الاستشراق» (ترجمة وتقديم: صبحي حديدي) في مجلة «القاهرة» (القاهرة)، العدد 150، مايو 1995، ص8.‏

(13) هندي، خليل: «الحاجة إلى التجديد الثقافي في العالم العربي» في مجلة «مجلة الدراسات الفلسطينية» (بيروت)، العدد 6، 1991، ص88.‏

(14) غليون، برهان: «الوعي الذاتي». المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت (ط2)، 1994، ص18.‏

(15) الجابري، محمد عابد: «الثقافة العربية اليوم ومسألة الاستقلال الثقافي» في مجلة «المستقبل العربي» (بيروت)، العدد 174، 8/ 1993، ص14.‏

(16) الجباعي، جاد الكريم: «المثقف العربي وتجديد الفكر القومي» في كتاب «الياس مرقص والفكر القومي»، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط (دمشق 1993)، ص150.‏

(17) خليل، هندي: نفسه، ص88.‏

(18) صالح، د. حسن عبد القادر: «نحو نظام عربي جديد» في مجلة «شؤون عربية» (القاهرة) العدد أيلول 1995، ص63.‏

(19) توفلر، الفين: «تحول السلطة: المعرفة والثروة والعنف في بداية القرن الحادي والعشرين» (ترجمة: حافظ الجمالي وأسعد صقر) ج1 و2، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1991.‏

(20) إبراهيم، د. حسنين توفيق: «النظام الدولي الجديد في الفكر العربي» في مجلة «عالم الفكر» (الكويت)، المجلد 23، العدد 3-4، يناير يونيو 1995، ص84-85.‏

(21) الخوري، شحادة: «العمل العربي المشترك في مجال الثقافة» في مجلة «المجلة العربية للثقافة» (تونس) السنة 15، العدد 29، أيلول 1995، ص19.‏

(22) المصدر السابق نفسه، ص21.‏

(23) انظر على سبيل المثال:- الساكت، د. محمد عبد الوهاب: «جامعة الدول العربية والوحدة الثقافية العربية» في مجلة «السياسة الدولية» العدد 119، ص127-130.‏

(24) انظر أيضاً: - مستقبل النظام الإقليمي (حلقة نقاش) في مجلة «المستقبل العربي» (بيروت) العدد 163، 9/ 1992، ص59-82.‏

(25) أحمد، أحمد يوسف: «الوضع العربي الراهن وسبل الخروج منه» في مجلة «المستقبل العربي» (بيروت) العدد 159، 5/ 1992، ص91.‏

(26) سعيد، رشدي: «هل تفقد التنمية ثقافتنا؟» في مجلة «الهلال» (القاهرة) السنة 104، العدد 11، نوفمبر 1995، ص59-61.‏

(27) الساكت في «السياسة الدولية»، مصدر سابق، ص130.‏

(28) مقدسي، أنطون: «المثقف العربي: موقعه من الجماعة ودوره فيها» في مجلة «النهج»، مصدر سابق، ص44.‏

(29) الجابري، محمد عابد:‏

(30) الرزاز، مؤنس: «المثقف والسياسة» في مجلة «النهج»، مصدر سابق، ص74-78.‏

(31) شرابي، هشام: «المثقفون العرب والغرب» في مجلة «المستقبل العربي» (بيروت)، العدد 175، 9/ 1993، ص35.‏

(32) واثيونغو، نغوجي: تصفية استعمار العقل (ترجمة سعدي يوسف) مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1987.‏

(33) انظر على سبيل المثال:- نتائج حلقة نقاش: «الإعلام والأمن الثقافي»، مصدر سابق، ص97-98.‏

(34) انظر على سبيل المثال عرضاً شاملاً للموقف العربي من الإلزام والالتزام في قضية التعريب في كتاب «التعريب والتنمية اللغوية» لممدوح خسارة، دار الأهالي، دمشق 1994، ص257-268.‏

(35) «الخطة القومية الشاملة لثقافة الطفل العربي»، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إدارة الثقافة، تونس 1993، ص55-64.‏

على أنني عالجت باتساع هذه القضية في كتابي:- « التنمية الثقافية للطفل العربي»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.‏

(36) اللعبي، عبد اللطيف: «الرهان الثقافي، المسألة الثقافية، الكتابة، فلسطين، مقابلات». دار التنوير (بيروت)، المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء)، 1985، ص20.‏

(37) بشور، معن: «آليات استنهاض الحركة الشعبية الوحدوية» في مجلة «المستقبل العربي» العدد 159، ص108-109.‏

(38) منعم العمار نفسه، ص28.‏

وانظر بحثه الممتاز: «التنمية العربية ومشكلة التبعية» في مجلة «شؤون عربية» (القاهرة) العدد 82، حزيران 1995، ص59-88، وفيه أن هذه القضية بالذات تنعكس على تدني مستوى تحقق الغايات العربية النهائية، مما أدى إلى اتساع الهوة في مستوى الرفاه بين العرب والقطاعات الأسعد حظاً من البشرية.‏

ومثل هذا الرأي واضح في كتاب نادر فرجاني: «هدر الإمكانية» منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1985، أي أنه يكاد يشكل رأياً لقطاع واسع من المثقفين العرب.‏

 

3 التعليقات



http://www.algarya.net/article.php/20050122000758594